سياحة و سفر

مراكش… كلّ شيء مُعدٌّ هنا لكي تُسحَروا

الكاتبة: لنا عبد الرحمن

أحببت رحلة القطار الطويلة، إلى مراكش. إنها مدينة، لابدّ من عناء السفر قبل الوصول إليها، وإلا لما اقتنعتُ بأنها مراكش التي ظلّ اسمها في ذهني إلى وقت طويل مرادفاً لكلمة “السِّحر”.

الخيالات عن مراكش عابقة لديّ بأجواء غير واقعية تماماً، كما لو أن هذه المدينة الموجودة في مكان ما على سطح الكوكب، هي نسخة كربونية من مدينة أخرى تحمل ذات الاسم في بُعدٍ رابع، لا يمكن للبشر الأرضيين إدراكه، لذا من الممكن أن يكون هؤلاء “المراكشيون” أيضاً، من أهل الضباب الذين يعيشون على الحافة، بين عالمين. نصفهم واقعيّ، ونصفهم الآخر ضبابي، لا يمكن الإمساك به.

هنا تختبئ بيوت السّاحرات، القادرات عبر خلطاتهن العجيبة أن يقمن بسحري لأصير حمامة نائحة، أو بومة حزينة، كما حدث في مسلسل الأطفال “سندباد”، حين تتحول الأميرة ياسمينة، إلى عصفورة ناطقة تكون دليلة سندباد في رحلته.

هل سأسير منوّمة، في أزقة مجهولة، لأتبع قدري، خلف لغة مجهولة لا أفهمها، هي مزيج من الأمازيغية، والعربية، والإسبانية؟

وصلت إلى مراكش عند العصر، كنت أتتبّع دبيب الأشياء بمجسّات حسّية، من لحظة مغادرتي محطّة القطار، حتى وصولي إلى الفندق. كنا في أواخر شهر نوفمبر. الهواء لافح، والشمس متوارية.

“هناك برد الآن، جيد أنك أتيت في وقت لا تكون فيه السياحة مزدهرة، السيّاح يبحثون عن الشمس هنا”. هذا ما قالته صديقتي “عائشة” التي استقبلتني بابتسامة عريضة، في حديثها معي متكلّمة لغة أقرب إلى الفصحى منها للعامية.

ضريح المعتمد بن عباد

كنت أتحدّث بسرعة عن رغبتي في زيارة “ساحة جامع الفنا”، و”ضريح المعتمد بن عباد”،  و”حدائق ماجوريل”، وكانت عائشة تستمع إليّ بهدوء، مؤكدة أننا سنفعل كلَّ هذا.

ي اللحظة التي اجتمع حولنا المتسوّلون الصِّغار، عقب خروجنا من محطّة القطار، اندفعتْ عائشة للحديث معهم بلهجتها المراكشية، عبارات سأحتاج إلى وقت كي أفكّ طلاسمها. لكنّني لم أسأل عائشة عمّا كانت تقوله.

هل الأماكن تسحبنا إليها، أم نحن من نذهب طواعية في غوايتها؟ يبدو أن للحبِّ قوةً عظيمة، لا تضاهيها قوّة أخرى لتكون سبباً في تشييد المدن.

يقال عن مراكش إن لها سبع سيدات أيضاً. لكن مراكش بُنيت من أجل تلبية خاطر “زينب النفزاوية”، التي استحقت لقب “سيدة مراكش” و”أميرتها الأولى”. هل تكون زينب هي الساحرة الأولى التي قرأت تعاويذها على هذه المدينة، فوشمتها بالسِّحر إلى الأبد؟

كانت زينب زوجة “يوسف بن تاشفين”، تزوّجته بعد أن تزوّجت من قبله ثلاثة رجال، ثالثهم ابن عمّه أمير المرابطين، أبو بكر بن عمر اللمتوني، الذي طلّقها بعد عامين من زواجه منها، فافترقا بتراضٍ منهما، لأنه ذهب إلى الحرب، وخاف أن يتركها وحيدة، لذا نصحها بأن تتزوج من ابن عمّه يوسف بن تاشفين، كما أشار على ابن عمّه بالزواج منها، لأنها ذات عقل راجحٍ ووجه صبوح.

فكرتُ وأنا أقرأ عن زينب النفزاوية، أن الزواج من ألف عام كان يتمّ بسهولة مقارنة بزمننا المعاصر، وكانت الزيجة من امرأة مثل زينب تنتج عنها المدن التي تظلّ دليلاً على أصل الحكاية.

قصر الباهية

أمام قصر الباهية، روت لي عائشة، وهي تبتسم بسخرية، عن السلطان عبد العزيز الذي أمر بجلب أمهر الصنّاع والحرفيين للاشتغال ببناء القصر، وظلّوا يعملون مدة ست سنوات متواصلة، لكن السلطان مات قبل أن يرى القصر.

أشجار النخيل السامقة تحيط قصر الباهية المهيب الذي بدا تحفة معمارية تجسّد رغبات السلطان الحالم بأبهة لا تجارى في زمانه. تلك المساحة الشاسعة ،والأعمدة المقنطرة، والجدران الرّخامية. هذه النقوش التي صنعها النحّاتون في سنين متواصلة كي نراها بعد هذا الزمن مزهوة بجمالها بكلّ اعتزاز، من الصّعب اختزال تفاصيلها في زيارة واحدة.

في جناح “الرياض الصغير”، حكت رفيقتي أن هذا الجناح كان مركز استقبال السُّلطان لرجال الدولة. الأروقة العتيقة التي تعلوها أفاريز خشبية مزخرفة بدتْ ساكنة، فيما سرب حمام أبيض يهدل في سماء ملوحة بالغيوم. في فناء الجناح المكون من الرخام، توجد أربعة أحواض تتوسّطها نافورة، والفناء ينفتح على قاعات تتميّز بأسقف مزخرفة بطريقة فريدة.

في ساحة الرخام الكبرى أو ما يسمى “الساحة الشرفية”، والتي بدت أوسع ساحات القصر، توجد أعمدة خشبية كثيرة، ربما يتجاوز عددها الخمسين. هناك أيضا ثلاث نافورات، وفي الجهات المقابلة توجد قاعات ذات شبابيك حديدية.

أما القاعة الشمالية، التي تُعتبر أكبر قاعات القصر، فجدرانها موشاة بنقوش متداخلة بألوان زاهية، وتوجد أبيات شعر منقوشة على الجصّ تؤرخ لبناء القصر. وكانت نوافذ القاعة مفتوحة على الحديقة الأندلسية، الشديدة الخضرة.

يرتاد السيّاح القصر، برغبة تنبثق من أعينهم لرؤية جماله الخاص، لكنكم إن أردتم تجاهُل هؤلاء السيّاح، ورؤية غلمان في ردهات القصر يعبرون أمامك وهُم يضعون المآزر، ويحملون أوانيَ نحاسية تلبيةً لأوامر السيد، أو جوارٍ ملثمات يركضن بخفة، وفي أيديهن عود أو دف أو مزمار، سيحصل لكم هذا. لو استرقتم السمعَ بدقّة من خلف أحد الأبواب، لابد أن يتناهى إلى أسماعكم حبكة مؤامرة ما، أو دسيسة يعدّها وزير لوزير آخر.

حدائق ماجوريل… عالم في حديقة

يُحكى عن الرسّام الفرنسي جاك ماجوريل أنه جاء إلى مراكش لأوّل مرة في عام 1914. ثمّ وقع في غرام المدينة التي وجد فيها ما يُحرك خياله الفني، لذا قرّر الإقامة فيها. في عام 1924 حصل على قطعة أرض، وعمل على تحويلها إلى حديقة، فيها نباتات من كلّ أنحاء العالم، إلى أن تمّ افتتاحها للزائرين عام 1947.

دروب الحديقة، ومسالكها تنقل الزائرين إلى مشاهد لا تُنسى من الخمائل، والأحواض المائية التي تعوم على سطحها نباتات رقيقة من ألوان مختلفة يطغى عليها الأخضر والبنفسجي، تنسجم بألفة مع كلّ ما يحيط بها.

التجوال في”حديقة ماجوريل” كما في “قصر الباهية”، يُبعدكم عن مراكش الواقعية، والموجودة الآن.

ساحة جامع الفنا… ساحة البهجة

التربة حمراء في ساحة جامع الفنا، وللوهلة الأولى حِرتُ أين أتّجه ببصري. كلّ ما في الساحة يدفع للدهشة. كانت السماء صافية، الطقس دافئاً، ونور الشمس كريماً في آخر هذا النهار، ينعكس بخفوت على التفاصيل الصغيرة في الساحة فيزيدها سحراً. الساحة شاسعة، محتشدة، بالناس، وبالأشياء، وبالكائنات الحية المتنوعة.

تبدو لي الساحة جزءاً من تاريخ مضى، لا علاقة له بأيّ حداثة. السائح الذي يثرثر عبر هاتفه المحمول بدا شكله منافياً لطبيعة المكان. على طول التجوّل في الساحة، هناك أطفال صغار يتسوّلون المال من السيّاح، ثمة من يتعاطف معهم، ويعطيهم المال، وثمة من ينهرهم بعنفٍ، فيمضون عنه بعيداً.

أشمّ رائحة شواء تتصاعد من عربات تقدّم الطعام في الساحة. يستطيع الزائرون عبر النظر فقط استنتاج نوعية الطعام الذي تقدّمه كلّ عربة. بعض العربات تزيّن واجهاتها رؤوس خرفان مفتوحة أسنانها برُعبِ لحظة الموت. عرباتٌ أخرى تقدّم الدجاج المشوي على الفحم، أو الأسماك، والطواجن المطهوّة بسرعةٍ للزبائن العابرين.

يوجد في الساحة باعة قرود، وأرانب، سلاحف كبيرة في الأقفاص، وطيور جارحة، حوانيت صغيرة ومتلاصقة مكتوب على أبوابها قائمة بالعقاقير التجميلية، والصابون المبيض، ودهن الحية، وزيت التّمساح، بالإضافة إلى أنواع البهارات المختلفة.

تتكاثر في هذه الساحة الحلقات التي يلتفّ حولها الجماهير على اختلاف اهتماماتهم، وقدرة من يتوسّط الحلقة عل إقناعهم بالاقتراب من حلقته ومتابعة ما سيقول. هناك من يعلن عن نفسه بأنه يحكي السيرة الهلالية، ومن يحكي سيرة رسول الله وآل البيت؛ حلقة أخرى لرجلٍ يفتخر صاحبها بأنه قادر على تزويج العوانس، وعلى إشعال الحب بين المتزوّجين.

وسط حلقة يتجمع حولها حشدٌ من الناس من مختلف الأشكال والجنسيات، يجلس على الأرض رجلٌ في أواخر الأربعينات، أسمر الوجه بهيّ الطلعة، في عينيه نظرة ثاقبة تتمكّن من جذب العابرين للالتفاف حوله. يبدو مثل راوٍ عليم بما يعتمل في خفايا القلوب؛ يحكي قصصاً عجيبة تصِف قدرته على فكّ السحر، وحلّ المربوط، وجلب الغائب، وعلاج الأمراض المستعصية؛ يهاجم الحكاءُ الطبَّ الحديث، ويمتلك براعةً في ربط الحكايات بأسلوب مشوّق، ثمّ يدعم حكاياته بعرض مجموعة من الأعشاب واصفاً وشارحاً لكلّ خصائصها وما تفعله من أعاجيب، بعد أن يقوم بخلطها وتركيبها في وصفة سحرية ينافس بها أمهر أطباء العالم.

يتناول الحكّاء من كيس خيش بُنّي بالغ القدم، أفعى كبيرة ويلفّها حول عنقه مؤكداً أنها لن تضرّه بإذن الله القوي العظيم. وبعد استعراض قدراتِه في ترويضِ الأفعى، يأخذ في صفّ مرطبانات فيها عقارب وأفاعٍ صغيرة مجمّدة، وسلاحف وريش طيور، وجلود حيوانات، ويحكي قصصاً  موجزة ومعبرة عن دور هذه الأشياء في أفعاله الخارقة. لا أفهم كلّ التعابير، فتقوم عائشة بالتوضيح وهي تضحك بمَكرٍ.

لا يكتفي الحكّاء بهذا الأمر، بل ينادي على أحد الرجال ممّن يقفون بجانبه، ويطلب منه أن يحكي للجموع كيف عالجه من العقم، واستطاع الإنجاب بعد عشر سنوات من الزواج، وبعد أن يأس من علاج “الطبّ الإفرنجي”؛ بهذه العبارة وصف الطبَّ الحديث، لترادفها عبارة “الطبّ العربي”، ففي هذا الطبّ، وبقدرة العبد لله، والتي سخّرها ربُّ العالمين لخدمة العِباد، سيشفي من يلجأ إليه من الناس.

ويحكي المعالج الحكاء عن عامل الصدفة التي جمعته بالناس في هذا اليوم، وأن حُسن الطّالع قاد خطواتهم في هذا اليوم إلى هذا المكان، وإلى هذه الحلقة ليكون الشفاء على يدِ العبد الفقير لله، والمعالج الروحاني.

” كافيه نوا”؛ تشير عائشة بطلبها إلى الفتى الأسمر الصّغير الذي يعمل في المقهى. يضع النادل كوباً شفافاً من القهوة السوداء أمام عائشة، فتطلب منه بلهجة مراكشية أن يحضر لها الحليب.

أمامي صينية صغيرة عليها طبق زجاجي بحجم راحة اليد، فيه بضع حبّات من اللوز وأخرى من الزبيب، بجانب أبريق الشاي الأخضر الذي يشبه المصباح السحري الذي يفركه علاء الدين ليخرج منه المارد. أرفع غطاء الإبريق فيتصاعد البخار ورائحة ذكية تفرّ بخفة، من مزيج الشاي الأخضر والنعناع المتعملق بوحشية لم أعرفها من قبل. النعناع في المغرب عموماً يكاد في حجمه يشبه أوراق الملوخية الخضراء؛ هذا ما لم أشاهده في مصر حيث النعناع طفوليٌّ بأوراقٍ تنحني بخجل ريفي، أو في بيروت ودمشق، حيث يبدو مشبعاً بنضارةٍ جبلية.

أشرب الشاي الأخضر، وأنا أنظر إلى المارّة؛ إمرأة في العقد الخامس ترتدي عباءة مغربية، وتحمل أكياساً من الخضار، وتسير نحو غايتها؛ السيارات تمرّ بسرعة؛ متسولون صغار يجلسون على الرصيف؛ رجل كهل يتشاجر مع رجل آخر يصغره بأعوام، لكنني لم أتمكن من فهم ما يقوله؛ شابّ ورفيقته ذات سحنة أوروبية يعبران الشارع بخفة، متجهيْن نحو المقهى، ينظران نحو الرجل الذي يتشاجر في الشارع، ثمّ يشيحان بوجهيهما إلى الأمام. ويجلسان على الطاولة المقابلة لنا.

مراكش… مراكش

هذه هي مراكش اليوم. في غرفة الفندق، كنتُ أفكّر أن أياماً قليلة لن تكفيني لرؤية مراكش. أريد الوقوف عند قبور السعديين؛ أودّ زيارة المنارة؛ أرغب في الذّهاب إلى ضريح المعتمد بن عباد وزوجته اعتماد الرميكية؛ أريد العودة إلى ساحة جامع الفنا، إلى حلقة الحواة، إلى ذلك الفضاء المبثوث في هوائه سحرٌ عتيق.

المصدر: رصيف 22

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق