أراؤهمالحدثرأي حرمجتمع

عندما تحتاج تأشيرة لدخول وطنك جزائريو كاليدونيا الجديدة … ضحايا الاستعمار والاستقلال

بقلم: د/ محمد بن ساعو

انتشرت مؤخرا على جدران الفايسبوك بالتزامن مع انتصارات الفريق الوطني لكرة القدم خلال دورة كأس أمم إفريقيا 2019، صورة لبعض أحفاد الجزائريين الذين نفتهم فرنسا في النصف الثاني من القرن 19م إلى كاليدونيا الجديدة يحملون العلم الجزائري، ورغم أن الصورة تم تداولها سابقا في أكثر من مناسبة -وأصبح توظيفها في كل محطة وطنية سياسية كانت أو رياضية مبتذلا- إلا أن ذلك يدعونا فعلا للتساؤل:
ماذا فعلت الجزائر لأبنائها في كاليدونيا الجديدة؟ هؤلاء الجزائريين الذين قطعتهم فرنسا الاستعمارية عن وطنهم وجعلتهم يعيشون غربة متعددة الأوجه، هل فعلت لأجلهم الدولة (الوطنية) شيئا؟

هل كلّفت دولة الاستقلال نفسها إقامة هيئة جزائرية محترمة في كاليدونيا الجديدة تستقطب الكاليدونيين من أصول جزائرية كما تفعل أغلب دول العالم عندما تتسابق للحصول على امتيازات ثقافية واجتماعية لصالح شتاتها؟ هل فكّرت الجزائر يوما في إنشاء مركز ثقافي جزائري على غرار المراكز الثقافية الفرنسية والإسبانية والبريطانية المنتشرة في ربوع العالم والتي تسوق للغات وثقافات هذه الشعوب؟ الأغرب من ذلك والذي يحز في النفس هو رفض الجهات الوصية منح التأشيرة لبعض الكاليدونين من أصول جزائرية يريدون قطع مسافة تزيد عن 22000 كلم لاستنشاق نسيم الجزائر، ورؤية موطن الأجداد؟

لقد تملكني شعور غريب ذات مرة وأنا أشاهد فيديو لحفيد إحدى الجزائريين الذي ولد وعاش في كاليدونيا الجديدة هو ووالده، لكنه أبى إلا أن يزور الجزائر قبل وفاته، ويقبل أرضها الطاهرة، أدركت تمام الإدراك حينها أن حب الجزائر والشعور بالانتماء لها لا يقطعه الزمان ولا المكان، لذلك أتمثّل في ساكنة كاليدونيا من الجزائريين روح النضال والثورة الممزوج بمرارة الاغتراب العميق الذي عانوه. لقد اضطرتهم الحياة في بيئة مختلفة وسياسة عنصرية انتهجها المؤسسات الفرنسية بهذه الجزيرة آنذاك إلى اختيار أسماء فرنسية لأبنائهم، وفقدوا لسانهم العربي والأمازيغي، لكنهم ظلوا يحملون قلوبا جزائرية، تنبض بالمحبة والوطنية غير المزيفة التي ورّثوها لأبنائهم وأحفادهم، فرغم أنهم حرموا وطنا لكنهم لم يحرموا حبّه، لأن مكانه القلب وليس الجغرافيا فقط.

كان حريا بـ (السلطة) أن تقيم جسرا جويا بين كاليدونيا الجديدة والجزائر لإعادة ربط أبناء الوطن الواحد بأرضهم وانتمائهم، هؤلاء الذين نفت فرنسا أجدادهم إلى جزيرة معزولة في المحيط الهادي وحاولت توظيفهم لخدمة أغراضها الاستعمارية، نفتهم أيضا الجزائر، ولعمري إن نفي الجزائر لأعمق أثرا عليهم وعلينا، إنهم ضحايا التاريخ والجغرافيا، ضحايا الاستعمار والاستقلال معا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق