أخبار عامةحواراتوطني

المؤرخ محمد الصالح الصديق .. رفضتُ الإستوزار في عهد “الشاذلي” ورئاسة المجلس الإسلامي الأعلى في عهد زروال


حاوره : عبد الإله قداري

حظي شيخُ أدباء الجزائر وجاحظُها المؤرخ المجاهد محمد الصالح الصديق بتكريم خاص من أهالي مدينة عين الكبيرة، شمال سطيف، وفي مقدمتهم مقاطعة الكشافة الإسلامية الجزائرية ــ التي يعود لها الفضل في دعوة “فضيلة الشيخ” ــ وهذا عقب تقديمه لمحاضرة كان عنوانها البارز ” الولادة الثانية” حيث كانت فحواها دعوة الشباب إلى استغلال عامل الوقت و قضائه في ما يفيد الأمة.
المحاضرة التي كانت قاعة “رابح بيطاط” بعين الكبيرة مسرحا لها، حضرتها وجوه فاعلة في الحقل الثقافي والديني رفقة ثلّة من مجاهدي المنطقة وبعض أعيان المدينة.
وقد خصّ شيخ المؤرخين الجزائريين موقع ANJ عربي، بحديث نوجزه لكم في الحوار التالي:

ANJعربي : فضيلة الشيخ، دعنا نبدأ محاورتكم بالعودة إلى زمن “الأبيض و الأسود” حيث كنتم ضمن مجموعة من العلماء و المؤرخين الذين يطلون على العائلات الجزائرية من خلال برنامج “الحديث الديني” الذي كان يبثه التلفزيون الجزائري. مالذي تغيّر بين ذلك الزّمن وبين الوقت الذي نعيشه؟


ــ هناك بون شاسع بين ذلك الوقت وهذا الذي نعيشه، في تلك الفترة كان لكل فرد منا دور منوط به يؤديه على أكمل وجه، والبداية كانت دائما من العائلة التي يعود لها الفضل بالأساس، ثم بعد ذلك يأتي دور المدرسة التي أعادت صقل روادها من خلال البرامج التعليمية بالنظر إلى ما تحتويه من مكارم الأخلاق أولا، ثم التحصيل العلمي ثم كمرحلة ثالثة تأتي مؤسسة المسجد التي كانت بمثابة البرلمان الذي يدير الشؤون المحلية لسكان القرية أو المدينة، وبعد ذلك تأتي جهود العلماء و المفكرين ودورهم كان يقتصر على التوجيه السليم للمجتمع انطلاقا تعاليم ديننا الحنيف. في ذلك الوقت كان عمر استقلال الجزائر حديثا وكان من أوكد واجباتنا إعادة بناء المجتمع الذي أرهقه الاستعمار من بدايات الاحتلال إلى أول أيام الاستقلال. كان الجميع يؤمن بالرسالة التي يحملها ويصبو إلى تبليغها ناكرا لذاته متوسماً الخير حتى بلوغ الجزائر مرحلة النضج، أما في وقتنا الراهن فقد تغيرت المعطيات وحاد الكثير عن مقومات الأمة فتفككت عُرى الأسرة ونقص منسوب الأخلاق وتمّ تغريب المدرسة فأصبحت هدفاً للمناوئين وأصاب الكسل مفاصل الأمّة والنتيجة أنتم ترونها رؤية عين الآن.

ANJ عربي : يفهم من خلال ردكم أنّكم لستم راضين بآداء الأسرة في الوقت الراهن، فماذا عن مؤسسة المسجد والمدرسة ؟

ــ حينما أنظر إلى العدد الكبير للمساجد عبر تراب الوطن يُصيبني الذهول، فهناك أزيد من 18 ألف مسجدا رائعة من حيث الهندسة و البناء و الزركشة، لكن وجب علينا أن نسأل هل هذه التحف المعمارية تقوم بدورها؟ ولماذا هذا الكم الهائل من التشرذم في المجتمع؟ لماذا هذا الانحدار في الأخلاق عند السواد الأعظم من المجتمع؟ أكيد هناك خلل ما في منظومة المساجد من حيث نمط التسسير الديني وهنا لا أقصد التسيير الإداري الموكل إلى الجهة الوصية ولكن ألقي باللائمة على المحيط القريب من مؤسسة المسجد، لأنّ الدين الإسلامي و التعريف به من خلال الخطب والدروس لا يقتصر على الموعظة فحسب، بل وجب أن يتعدى ذلك إلى شؤون الرعية. فأول مسجد في الإسلام كان “مسجد قباء” كان منشأه من الطين وسقفه من جريد النخل ولكنه في المقابل كان مؤسسة اجتماعية بأتم معنى الكلمة تُدار من خلاله شؤون الرعية و يشرف عليه الرسول الكريم رفقة أصحابه رضوان الله عليهم، فكان المسجد بمثابة البرلمان الجامع الذي ينظم شؤون الحياة العامة، وعليه فإنه من الضروري أن تؤطر مساجدنا كفاءات تعرف المعنى الحقيقي لحياة الفرد، فدين الله كامل لا يحتاج إلى إضافات ولكن طريقة الحياة التي نبتغي بها رضى الله يجب أن تصب في صالح المجتمعات، صحيح أن الموعظة بذكر النار والتخويف منها والجنة و تحبيبها للمسلم واجبة لكن الأوجب منها متابعة احتياجات المسلمين وتلبية احتياجاتهم من خلال التعاضد بين مختلف شرائح المجتمع وكذلك التركيز على فقه الحياة. أما عن دور المدرسة فهذا يتطلب الكثير من الوقت للخوض فيه والمطلوب هو إصلاحها لتنتج فردا عاملا مجتهدا وقبل التفكير في المنصب و والوظيفة فمن الضروري التركيز على بناء الإنسان من حيث الاحتياج العلمي.

ANJ عربي: كنتم ضمن كوكبة من العلماء الذين قدموا ولا زالوا يقدمون الكثير للوطن، ما الذي منعكم من تبوأ مناصب تستطيعون من خلالها تحقيق ما تحدثتم عنه آنفا؟
ــ يجب أن تعلم سيدي الكريم أنّني أرفض كل منصب، حيث سبق و عن عرض عليّ الرئيس “الشاذلي” رحمة الله عليه منصب وزير الشؤون الدينية لكني رفضت رفضا قاطعا
ANJ عربي: لماذا؟
ــ أنا أجد نفسي في الكتابة والقراءة، وقد نذرتُ عمري لتقديم الفائدة للمجتمع وهذا لايمكنني فعله إذا ما ارتبطت بمنصب، حينما أؤلف كتابا أو أقدم محاضرة أدرك أني أقوم برسالتي وكل امرء مخول بما يقوم به، ليس هذا فحسب، بل إنني رفضت حتى رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى في وقت الرئيس “زروال” لإيماني الصادق أن شجرتي لا تثمر في هكذا أمكنة، أريد أن يكون لي احتكاك بأفراد المجتمع حتى يتأتى لي تقديم القليل من الفائدة. باختصار أنا لم أطمع يوما في تولي أي منصب حتّى لما كنت مجاهدا إبان الثورة رفضت المسؤولية ليس هروبا ولكني أعرف أين تكمن الفائدة التي ينتظرها مني الوطن وتنتظرها منّي الثورة.

ANJ
عربي: على ذكر الثورة المظفرة، الشباب الجزائري يطلب منكم كمجاهدين وصانعي الثورة رؤية واضحة تمكنهم من قراءة جيدة لتاريخ الجزائر الثوري، فمن خلال اطلاعه على مذكرات بعض من عايشوا الحقبة يجد شبه حرب خفية أحيانا ومعلنة أحيانا أخرى، فلماذا كل هذا الشدّ والجذب في أمر من المفروض أن يتفق الكل عليه؟

ــ اعذرني لا أستطيع أن أعطيك جوابا حول سؤالك هذا، وسأحتفظ به لنفسي. لكن دعني أقول لك بأننا لم نعي بعد مفهوم الحرية التي كافحنا من أجلها.
الحرية هي الانطلاق في ميدان الإبداع والإنجاز والبناء، هذا هو معنى الحرية، ولكن أغلب الجزائريين فهموا أن الحرية في زوال الأغلال ليعيش الإنسان كما يريد بعيدا عن القانون، هذا مالدي لأقوله وأنت حر في فهمه بالطريقة التي ترضيك.

ANJ عربي: فضيلة الشيخ هل من كلمة أخيرة تودّ أن تختتم بها حوارنا هذ
ا؟
ــ أولا أشكر لكم حسن صنيعكم معي، ومن خلال موقعكم المتميز هذا أوجه كلمتي للشباب الجزائري بصفة عامة لأنه المعيار الثابت في تقدمها أو تأخرها، هو صاحب النجاح وصاحب الإخفاق فإن اجتهد وتفوق كان التفوق للجزائر و إن فشل سيطون الفشل للجزائر ، الشباب ينبغي له أن يوطد علاقته بالوطن في أعماقه أولا ثم في تصرفاته فحب الوطن من الإيمان والجزائر تستحق كل الحب تستحق التضحية ونكران الذات وعلى الشباب أن يحسن لنفسه ويحبها أيضا لأن الغالبية منهم يظنون أنهم يحبون أنفسهم ولكنهم في الحقيقة يكرهونها، فمن يكره نفسه يكره وطنه وعليه أيضا أن يحب أسرته التي ينتمي إليها ليكون مشعا بالحب في كل مناحي الحياة و أوصيهم بالقراءة و الاجتهاد وعدم تضييع الوقت في تتبع سفاسف الأمور وأسأل الله لهم الهداية والتوفيق و السداد وبارك الله فيكم.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق