أراؤهمرأي حر

جميلة بوحيرد من الثورة إلى الحراك

بقلم: د/ محمد بن ساعو

خلال جلسة محاكمتهاسنة 1957 اعتبرت “جميلة بوحيرد”أن حكم الإعدام الذي سيصدر في حقها هو اغتيال لـ (تقاليد الحرية) في فرنسا، لكن يبدو أننا -كجزائريين- نرسّخ تقاليد تحطيم الأسماء –حتى لا نقول الرموز- وتشويه النضالات وتبخيس الجهود، فالمكانة التي حجزها اسم “جميلة بوحيرد” في سجل النضال الوطني، كان بالدرجة الأولى صدى لحضورها في الانتاج الأدبي والفني العربي، وبهذا تكون الرمزية التي اكتسبتها ليست نتاج حرصنا على التسويق للأسماء النضالية التي أفرزتها الثورة التحريرية والاستثمار فيها، بقدر ما هي انعكاس لصورة اختارها طرف معين لتقديم نموذج ما،لأسباب متعددة وظروف معينة؛ ومقابل الاهتمام العربي بشخصيتها–والذي طبع فترة زمنية معينة-، إن على مستوى النصوص أو التكريمات، نلاحظ غياببوحيرد في الأعمال الفنية الجزائرية ناهيك عن الكتابات الأكاديمية؛ وبالعودة إلى الأبحاث والدراسات التاريخية التي تنجز في الجزائر،خاصة مع الانتشار الكبير لأقسام التاريخ في الجامعات، وجحافل الطلبة الذين تخرّجهم هذه المؤسسات،نجدها تمارس بعض التعتيم على أسماء نضالية معينة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

لم يتوقف الأمر على التعتيم والتجاهل فحسب، بل إن الأمر تجاوزه إلى مستويات أخرى، واتهامات خطيرةمن أطراف معينة، والغريب أن يحدث كل هذا في ظل إحجام الباحثين في التاريخ عن الخوض في المواضيع ذات العلاقة بالشخصيات المناضلة التي لا تزال على قيد الحياة، ولهم في ذلك مبررات عديدة، لعل الكثير منها مؤسس، حيث أن حيثيات القضايا التاريخية المرتبطة بهذا النوع من الكتابة البيوغرافية – التاريخية، تلقي بضلالها على مسائل أعمق، في ظل غياب الوثائق الأرشيفية وعدم إتاحتها، إلى جانب ضبابية الرؤية التاريخية تجاه الكثير من الأحداث التي عرفتها الثورة التحريرية، خاصة وأن التاريخ في الجزائر لم يكن بريئا لأنه أُلبس رداء السياسة لإقحامه في حفلة تنكرية سيئة الإخراج،لكن الأكيد أنه لا مناص من انفتاح الأعمال الأكاديمية على بعض المواضيع، وهو ما يثري البحث التاريخي على مستوى الطرح والمقاربات وعلى مستوى التفاعل والنقاش، ففي الوقت الذي يفترض أن الأبحاث الجامعية هي التي تدفع إلى إثارة النقاش في القضايا المختلفة أصبح العكس هو ما يحدث.

لا ننكربأن جزءًا من المسؤولية تتحمّله بوحيرد ذاتها، لأنها طالما كانت متوارية عن المشهد الاعلامي وعن حضور الندوات والمحافل المختلفة، مع أن هذه العزلة لها ما يبررها في ظل استرزاق بعض الأطراف من التاريخ وهو ما ترفضه دائما؛ لكن الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر منذ فيفري 2019 ساهم في إخراجها جزئيا من عالمها وجعلها واحدة من الوجوه التي أثّثته بحضورها اللافت وشعاراتها الجريئة ومساندتها المطلقة لمطالبه والشد على يد الشباب الثائر، وبذلك حاولت أضفت نوع من الرمزية على حراك الجزائريين، ولم تكن الوحيدة في ذلك بل إن هناك الكثير من الأسماء المناضلة التي عاشت على الهامش منذ الاستقلال لم تفوت هذه الفرصة التاريخية لتنصهر مع الروح الجديدة لفئة كبيرة من الجزائريين العاملة على تجسيد دولة الحرية والقانون التي نصّت عليها جل الشرائع الثورية.

ما ذهبنا إليه لا ينمعن نزعة تقديسية للأشخاص، ولا هو إعادةً كليةً للفرد إلى مركز التساؤل لتحليل التجربة الفردية، إنما وراء ذلك سعي لإعادة بناء الشخصية الوطنية انطلاقا من نماذج مارست النضال الوطني لكنها–في تقديرنا- كانت تؤمن بالديمقراطية مثلما تؤمن تماما بالاستقلال. وخلاصة القول أن الجزائر فشلت في التسويق لأسمائها النضالية على مختلف المستويات، ومع ذلك يبقى الرهان معقودا على السينما والرواية والمسرح…، مع ضرورة انفتاح المؤرخ وامتلاك الجرأة التي تجعله يبادر بملامسة مواضيع من هذا النوع مع ضرورة التحلي بالروح العلمية والموضوعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق